samedi 5 juillet 2014

ورم الــطـبّـال الـقـديـم (..2)


   كنت اتابع حديثها مشدوها بألفاظه المتشعّبة و التي تميل الى الرّمزية و الايحاء أكثر منه الى التعبير المباشر حيث لم أفهم الكثير ممّا قالته متهكمة او مستفزّة للحاضرات السّامعات، كانت كزيتونة معمّرة واقفة و ثابتة لا تتمايل و لا ترتعش رغم سنينها المتقدّمة و شيخوختها الظّاهرة في تجاعيد رقبتها و ذبول لون الوشم على وجنتيها و أعلى حاجبيها اتّسع ثقب اخراس اذنيها و تدلّى خرس فضي اللّون و المعدن حتى كاد يلامس أعلى كتفها ، و لفّ رقبتها عقد "سخاب " العنبر الاسود فتناغم بياضها بسواد العقد و انبعثت رائحة العقد تذكي الانوف الصّافية الدّقيقة الشمّ ،و تدلّى على خدّها " سالف " أو أو خصلة شعر تميل الى حمرة برتقالية بفعل الحنّاء ، و تحمل في معصميها اساور فضّية وفي أصابع يدها خواتم من الفضّة و الذهب ة على ذراع يدها البسرى اشكال من الوشم الذابل من سطور متقطّعة و دوائر  و نجوم و أهلّة و اشكال بربريّة معروفة عند الواشمات.
   نظرت اليهنّ و قد لاحظت تهامسهنّ و ايحاءات التندّر و التأفّف من حديثها ثم قالت: ايه .. زمن معكوس  الحائرات امثالكنّ يمتن بعلتهنّ و لا يدرين من الدنيا و الحياة شيئا، نعم تزوجت " ولد بن سالم" و انا لا أحبّه و بكيت كثيرا في أول ايّام زواجي منه، كان رجلا كريما و شريفا و واسع الصّدر ، لم يضربني و يذلّني الى أن مات عليه رحمة الله ، اتمنى من الله و منه أن يغفر لي ما سببته له من ازعاج في سنوات الزواج الاولى ،  فقد نشزت
و تركته و بتّ وحدي لأشهر فلم يغضب و لم ينهرني  و لم يتبرّم منّي الى ان جاء يوم قال لي فيه : يا بنت النّاس حفظتك و رفعتك و دلّلتك و لم اشتك منك لأحد ، كتمت سرّي و انتظرت فرجا شافيا ، لكنّ تبيّن لي أنك عازمة في أمرك و انه لا رجاء في شفاء مرتقب ، فانظري جيدا في أمرك و اخبريني فان رأيتِ أن أعيدكٍ الى أهلك فسأفعل  و الله يخلفني غيرك فالكثيرات يتمنينني بعلا و رجل بيت لهنّ سأمهلك ما استطعت قبل أن ينفذ صبري ثمّ أقرّر في امرك ما يقوله العقل ....

  " وِلْدْ بنْ سالمْ" رجل و نصف يزيد عن الرّجل ، لا يُعابُ منه ما يُعَابُ في الرّجال ، تكتّم عنّي و لم يخبر أبي بأيّ شيء ، كان يعلم أنه لو أخبره  بما يحدث حقّا بيننا فسيقتلي كما سبق و ان هدّدني منذ أن كنت فتاة ببيتنا ،لم يرتض لي الموت و الفضيحة أو اهانة عرشي امام العروش الأخرى...  في لحظة صدق مع نفسي فهمت و عرفت كم سبّبت من ألم و وجيعة لرجل جواد كريم رحب الصدر جميل الخلق و الاخلاق و كم كنت  أنانية و عير أهل لكرمه ، طهر " ولد بن سالم" الله يرحمه أنه يضاهيه في كل شيء و يفوقه في بعض الاحيان إلاّ في الغناء و ضرب الطّبل و ترانيمه الليلية فقد كانا يختلفان، كان يميل الى قلّة الكلام كأيّ رجل وقور لا يتحدث الاّ اختصارا و ليس كثير المطالب و قنوعا و عمود بيت قويم و سليم و فحلا ترتضيه كل امرأة حرّة.

 

 في يوم خميس على ما أذكر، في يوم ربيعي ، عاد للبيت كعادته

 و قد كان يحشّ و يجمع الاعشاب لعلف الابقار لشتاء قادم، عاد منهكا و فقد خرج منذ الصباح الباكر للعمل بالأرض البور،لمّا و صل استقبلته ببيته كما تستقبل اي زوجة بعلها ، و كنت تحمّمت و تسوّكت و تعطّرت و و ضعت "سخابي" هذا الذي اهدتني ايّاه أمّه رحمها الله ، كنت انتظر ان يفاجئ بشكلي او مظهري و ان يسألني او يطلب شيئا منّي لكنه اشاح عنّي بوجهه و تجاهلني كأننّي لا شيء أمامه، شككت في كل شيء ، في جمالي، في رغبته فيّ ، في حسن اختيار عطري و ملابسي في ....  عندما اغتسل و تبرّد و ضعت المائدة أمامه ، دفعها بعيدا برفق ،  كانت سحنة وجهه متبدلة على غير عادتها ، كنت اظنّ أنه سيفرح لما يراني في اجمل حلّة و بكلّ هذا التجمّل الذي ابدو عليه  لكنني لاحظت امتعاضا و سوء قبول منه ، نفذ صبري، سالته : ما بك يارجل ؟ انت قلق و على غير عادتك كنت تبتسم في وجهي كلما عدت للبيت ، نظر في عينيّ بكل برود و قال : أراك في ثيابك الجديدة ، هل قرّرتي العودة نهائيا لبيت أبيك ؟ ألم أقل لك تريّثي قليلا ما دام لم ينفذ صيري عليك ؟ ان كان نعم فسأوصلك اللّيلة الي بيت والدك ،  لا أريد أن يكون هذا في وضح النّهار لاتجنّب شماتة الناس فيّ و في والدك ... أشعر بمرارة في حلقي و لا رغبة لي في الاكل ، دعيني أنام فأنا منهك و اجمعي حليّـك و ما يتعلق بك و سأوصلك اللّيلة ...


°°°°° يُتْبَعُ ...

الحلاج ....

صيف 2014

النص (1)
https://www.blogger.com/blogger.g?blogID=8733706823267635351#editor/target=post;postID=4379232545842125707;onPublishedMenu=posts;onClosedMenu=posts;postNum=1;src=link